يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

414

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

نقول : عصى وغوى ، كما قال اللّه تعالى . ولا نقول آدم عاص ولا غاو ، لأنه لم يكن عن اعتقاد متقدّم ولا نية صحيحة . كما تقول لرجل قطع ثوبا وخاطه : قد قطعه ، ولا تقول قاطع ولا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به . اه كلامه . وذكر الفصل بكماله ، وهذا أمر قد عفا اللّه عنه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له . على أن آدم عليه السلام لم يتعمد المخالفة ، وإنما كان متأولا مع وسوسة الشيطان وقسمه له ولحواء : إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] . وجاء في البخاري في قوله تعالى : وَقاسَمَهُما [ الأعراف : 21 ] حلف لهما ولم يحلفا له . وجاء في بعض الأخبار قال آدم : يا رب ما ظننت أن أحدا يحلف باسمك حانثا . وتأوّلا أن النهي وقع على شجرة بعينها لا على جميع الجنس ، فأكلا من غير الشجرة التي أمرا بها متأوّلين . وقيل : تأوّلا النهي على الندب وأنكر كثير من المتكلمين بأن يأتي نبي بمعصية وهو يعلم أنها معصية . والشجرة التي أكلا منها شجرة التين . قاله ابن جريج . وبذلك يتأوّل لمن رأى في منامه تينا أنه يفعل شيئا يكون فيه ندامة ، وقيل : الكرمة ، قاله ابن مسعود . وقيل : السنبلة ، قاله ابن عباس . والكلمات التي تلقى آدم من ربه فتاب عليه قوله تعالى : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] ، قاله مجاهد وغيره ، وقال ابن عباس : إن آدم قال : أي رب ألم تخلقني بيدك ؟ . قال : بلى . قال : يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك ؟ . قال : بلى . قال : أي رب ألم تسكني جنتك ؟ . قال : بلى . قال : أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ . قال : بلى . وقال وهب بن منبه : إن الكلمات قول قاله آدم وهو : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، عملت سوءا وظلمت نفسي ، فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين ، سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ، عملت سوءا وظلمت نفسي ، فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم . قلت : هذا كله بقدر اللّه وقضائه ، وفيه تأنيس وتخويف . أما التخويف : بأن يقول العبد : هذا آدم صفوة اللّه من خلقه وصفيه - كما تقدّم - أخرج من الجنة بذنب واحد ، وكان فيها ، وكان ذنبه ما قد ذكره ، وأنا لم أدخلها ، ولي ذنوب كثيرة ، وأنا أطمع فيها ، لولا أن القنوط كبيرة لقلت : لا أدخلها ، ولكن أرجوها برحمة مولاي الكريم . هذا وما أشبهه يخوّف العبد به نفسه . وفي مثل هذا المعنى أنشدوا : يا ناظرا يرنو بعيني راقد * ومباعد للأمر غير مساعد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي * دور الجنان بها وفوز العابد